الأحد، 11 جمادى الأولى، 1431 هـ

إنقاذ الكتب: من الإدمان الخبيث إلى الإدمان الحميد

تحدثت في موضوعين سابقين (العلم الثقيل ومأساة مدمني الكتب ثم إحياء الكتب) عن مشكلة محبي الكتب مع إدمانهم لشراء عدد من الكتب يفوق سرعتهم في قراءتها، مما يشوب علاقتنا بالعلم بشيء من حب التملك، وهو ما يؤدي في النهاية إلى تقليل استمتاعنا بالقراءة. فالكثرة الزائدة تؤدي لنتيجة عكسية وهي إلهائنا أو تشتيتنا عما أردنا الاستزادة منه مبدأياً.

وهنا أعرض رؤيتي ومحاولاتي الشخصية في علاج هذه الإشكالية. قد لا يمثل هذا الأمر مشكلة لدى بعض محبي الكتب الذين لم يسقطوا في فخ شراء كتب كثيرة وقراءة القليل منها. لذلك فأنا أتحدث هنا من مشكلة شخصية بحتة قد يعاني منها غيري بدرجات متفاوتة. والهدف في النهاية هو تحسين أدائنا لأهم نشاط سوف نقوم به في حياتنا على الإطلاق، ألا وهو القراءة وتحصيل العلم! نعم، فسوف تبلى الأجساد وتخلد الأرواح بما اكتسبت من علم وعمل كان ثمرة لهذا العلم. 

يسير التعامل مع هذه المشكلة في طريقين متوازيين، أولهما التعامل مع ما تحصلنا عليه فعلاً من كتب تزيد عن حاجتنا، وثانيهما التعامل مع الرغبات المتجددة في شراء المزيد من الكتب. ومحبي الكتب يعلمون تماماً إغراء الكتاب الجديد وأنت تمسك به وتتصفحه فيسيل لعابك الفكري أمام هذه الوجبة الواعدة! والمشكلة أن الوجبة تكون ساخنة حينما تراها أولاً، ثم تبرد تماماً حينما تعود بها إلى بيتك وترى تل الكتب التي لم تقرأها بعد، فيتم تحنيط القادم الجديد لأعوام قادمة لا يعلم عدتها إلا الله!

أولاً: الكتب التي نملكها بالفعل.
لو لم نكن نقدر الكتاب ونعلي من شأنه لما اشتريناه أصلاً. ولذلك فالحل لا يكمن بأي حال في مجرد "التخلص" من الكتب التي لن نقرأها في أي وقت قريب. لابد أن يتم التعامل مع هذه الأعداد الكبيرة من الكتب التي لم تُقرأ بما تستحقه من احترام!

أنا لست ضد اقتناء مكتبة خاصة. فهي تضيف للبيت عبقاً فكرياً، ولو بمجرد حضور الكتاب كرمز على حب المعرفة وإجلال مصادرها. لكننا نريد اقتناء الكتب التي تستحق أن نعيد قراءتها والعودة إليها، ونحب أن نستبقيها للأجيال القادمة في العائلة.

هذه خطوات سوف أحاول اتباعها فيما يخص ممتلكاتي من الكتب:

1. عمل قائمة مكتوبة بهذه الكتب. فوجود قائمة حاضرة يسهل النظر فيها يذكرنا بأن لدينا العديد من الكتب للقراءة بالفعل، مما يخفف من حدة الرغبة في شراء كتاب جديد. نحن هنا نوجه طاقة الرغبة في قراءة كتاب جديد إلى ما لدينا بالفعل لكي نحولها عما لا نملكه بعد. سوف تقضي وقتاً ممتعاً أيضاً في إعادة النظر في هذه الكتب وتصفحها! ومن الممكن إخراج وفصل عدداً من الكتب التي نريد قراءتها قبل غيرها.

فكرت أيضاً في تصوير هذه الكتب وإنشاء مكتبة رقمية مصورة. لم أقم بذلك بعد لكنها تبدو كفكرة مثيرة! تصور أن تفتح واحداً من هذه الملفات الصفراء folder الذي هو مكتبتك، ثم تجد تحته ملفات أخرى مقسمة حسب الموضوع، ثم تجد داخل كل ملف موضوعي صوراً لما تملك من كتب. التصوير الرقمي وكاميرات المحمول تسوف تيسر ذلك كثيراً. والفكرة هي أن الصورة أقوى حضوراً في الوعي مما يصرفنا عن الجديد لأن ما نملكه بالفعل من كتب راسخ في ذاكرتنا المرئية!

2. إعطاء - وليس التخلص من! - الكتب التي لن نعود إليها لمن يقرأها. أنا أكره تماماً فكرة أن نتخفف مما لا نحتاجه عن طريق التخلص منه بإعطائه لغيرنا. أنا لا أريد أن أتخلص من مشكلتي بجعلها مشكلة إنسان آخر! ونستطيع معرفة الكتب التي لا نحتاجها ولن نعود إليها أثناء عمل القائمة سالفة الذكر. قد نجد كتاباً لن نعود إليه، أو كتاباً اشتريناه ثم فقدنا الاهتمام بموضوعه أصلاً. هذه الكتب نستطيع إهداءها لمن نظن أنهم سوف يستفيدون بها. وقد بدأت بتجربة فكرة خطرت لي وهي عرض أحد هذه الكتب على قراء مدونتي. وقد شعرت ببعض الحزن بعد نشر الموضوع من احتمال ألا يستجيب أحد، لكن سعدت حينما تمت استجابة سريعة من صديق يريد قراءة الكتاب. هذا تحرير لطاقة الكتاب من الرقد على الرف إلى تغذية إنسان فكرياً. والفكرة هنا لا تكمن في التحرر من جميع ما لدي من كتب فوراً، ولكنها مجرد البدأ في تحريك وتحرير هذه الطاقة.

من مزايا هذه الفكرة أيضاً هو تشجيعنا على العودة لما قرأناه من كتب لنقرر إن كنا نريد الاحتفاظ بها. ما أفكر به هو أننا سوف نجد كتباً جيدة لكنها تحتوي فقط على معلومات محدودة نريد حقاً الاحتفاظ بها، من الممكن في هذه الحالة أن نكتب ملخصاً بما نريد الاحتفاظ به من معلومات، ثم نعطي الكتاب لمن يقرأه. ولا يخفى ما يعود علينا من رسوخ فكري لمحتويات ما نقرأ من كتب لو تعاملنا معها بهذه الكيفية.

ثانياً: مقاومة إغراء شراء المزيد والجديد من الكتب.

طالما أن ما عندي من كتب لم أقرأها يكفيني لعام قادم أو أكثر بمعدل قراءتي الحالي، وأنني أعيش حالياً حياة متنقلة غير مستقرة، فمن الخير أن أتوقف تماماً عن شراء أي كتاب جديد. غير أن الإغراء شديد القوة والسيطرة على هذه الشهية يحتاج لبعض الحكمة والاحتيال على النفس!

كما أن وسائل الإغراء في الولايات المتحدة كثيرة وضاغطة! فالمكتبات الرحبة الجميلة كثيرة وفي كل مكان. ومن أقوى هذه الإغراءات قسم الكتب المخفضة Bargain، وهو يحتوي على كتب جديدة وبأسعار شديدة الجاذبية. إذا قادني الفضول إلى تطلع هذا القسم فعلي ممارسة قدر مرتفع من ضبط النفس حتى لا أخرج محملاً بكتابين أو ثلاثة كتب جديدة! قررت أن أقوم بحيلة هي تصوير الكتب التي تناديني بكاميرا المحمول بدلاً من شراءها "الآن"، وبذلك أعطي نفسي الوقت لكي أهدأ! وفي الفترة الأخيرة خرجت عن هذه القاعدة مرة واحدة حينما رأيت كتاباً شدني ووصل سعره إلى ثلاثة دولارات. اشتريته لكن قررت أن أبدأ في قراءته فوراً. ثم مارست من بعد حيلة تصوير الكتب بنجاح حتى الان!



الوسيلة الثانية لمقاومة شراء الكتب الجديدة هي استغلال توفر المقاهي في جميع مكتبات البيع حيث تستطيع أن تتصفح الكتب في سلام ودون أي شعور بالذنب! ومن ثم فبدلاً من شراء الكتاب فأنا أجلس في المقهى وأقرأ فيه فصلاً أو فصلين، ثم أصوره! وبذلك تهدأ رغبتي في شرائه وأحتفظ بالصورة حتى أقرر شرائه في الوقت المناسب مستقبلاً.

 

هذه خطتي الحالية للشفاء من تحويل الكتاب من سلعة أقتنيها إلى طاقة غير محبوسة فوق الأرفف. والله أعلم!

Share/Bookmark

هناك 7 تعليقات:

  1. أخي الكريم ،
    أتفق معك في ما كتبته ، أعتقد أن كثيرين من محبي القراءة يقعون في شرك هوس اقتناء الكتب ، وهي عادة تظهر أثارها السيئة بعد مدة ، حين تكتشف أنك قمت باقتناء عدد كبير من الكتب ، مقابل عدد قليل تقرأوه منها .

    يجب أن لا ننسى هدفنا الأول وهو القراءة وتكوين المعرفة .

    أشكرك ، دمت بكل خير

    ردحذف
  2. the e-books kinda solved this probel for me, Shedou :)

    ردحذف
  3. vous avez mis le doigt sur un vrai problème pour moi, le seul achat "compulsif" auquel je ne résiste presque pas c'est les livres. quand je voyage je rentre avec des excédents de livres ça envahi mon "salon-bureau-bibliothèque" et je suis en permanence en pénurie d'étagères. Les solutions que vous donnez sont pratiques.

    ردحذف
  4. مقال مناسب لي
    كنت أنوي زيارة المكتبة لكن مكتبتي تشكي هجري!
    هذا سبب صدي عن القراءة
    شكرًا

    ردحذف
  5. أفكار غير تقليدية من شخص غير تقليدي .. ولكن الأفكار بحق جذابة وقابلة للتجربة بالنسبة لي.
    أنا بالفعل أقوم بأحد هذه النصائح وهو قراءة أي كتاب جديد يقع في يدي حتى لا يقع ضحية الرفوف .. وبالفعل عندي كتب من عام 1998 لم أقرأها حتى الآن، وربما يدفعني مقالك هذا إلى معاودة التقليب فيها وإخراجها علني أشفى من مرضي هذا :)
    شكرا لك.

    ردحذف
  6. شكرا جزيلاً يا عمرو وأسعدتني زيارتك للمدونة :)

    ردحذف
  7. ﻳﺴﺮﻧﻲ ﺃﻥ ﺃﺟﺪ ﺇﺧﻮﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﻓﻲ ﺇﺩﻣﺎﻥ ﺍﻟﻜﺘﺐ! ﻳﻌﻠﻢ ﺍﻟﻠﻪ ﺃﻧﻲ ﺃﻋﺎﻧﻲ ﻛﻤﺎ ﺗﻌﺎﻧﻲ، ﻻ ﺳﻴﻤﺎ ﻭﻫﺬﻩ ﺍﻷﻳﺎﻡ ﻫﻲ ﺃﻳﺎﻡ ﻣﻌﺮﺽ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﻓﻲ ﻣﺪﻳﻨﺘﻲ (ﺍﻟﺮﻳﺎﺽ)...

    ﺃﻓﻜﺎﺭﻙ ﺟﻤﻴﻠﺔ ﻭﺭﺍﺋﻌﺔ، ﺇﻻ ﺃﻥ ﻓﻜﺮﺓ ﺍﻹﻋﺎﺭﺓ ﺗﻌﻮﺩ ﻋﻠﻴﻚ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ ﺍﻷﺣﻴﺎﻥ ﺑﺎﻟﺤﺰﻥ ﺍﻟﻌﻤﻴﻖ ، ﻛﺈﻫﻤﺎﻝ ﺍﻟﻤﺴﺘﻌﻴﺮ ﻟﻪ ﻓﻴﺘﺤﻮﻝ ﺇﻟﻰ ﻛﺸﻮﻛﻞ ﻷﺧﻴﻪ ﺍﻟﺼﻐﻴﺮ، ﺃﻭ ﺳﻔﺮﺓ ﻃﻌﺎﻡ!! ﺃﻭ ﺣﺘﻰ ﻣﻤﺴﺤﺔ!

    ﺍﻟﻠﻬﻢ ﻋﺎﻓﻨﺎ ﻭﺃﻋﻨﺎ ﻋﻠﻰ ﺃﻧﻔﺴﻨﺎ.

    ردحذف

Subscribe via email

Enter your email address:

Delivered by FeedBurner