السبت، 18 ربيع الآخر 1431 هـ

إحياء الكتب

تحدثت في الموضوع السابق عن مشكلة إدمان شراء الكتب، وهي مشكلة أعاني منها ولا أشك أن كثيراً من محبي الكتب يتعرضون لها بدرجات مختلفة. والمشكلة في جوهرها تنبع من توجه حميد هو حب الكتب. وهو ما يؤدي بنا إلى شراء الكتاب بمجرد رؤيته لأننا بالطبع نريد قراءته، وهو أيضاً هدف محمود. ومع تكرار ذهابنا للمكتبات للاطلاع على الجديد، فشراء المزيد والمزيد، تتراكم الكتب وتزداد عدداً بمعدل يغلب معدل قراءتنا لها. فيصبح ما نملكه من كتب غير مقروءة أكثر مما نملك من كتب قرأناها بالفعل.

وقد وجدت أن وجود كل هذه الكتب يؤدي إلى نتيجة عكسية هي عزوفي عن القراءة. فللكتاب الجديد رونقاً خاصاً وإغراء بالقراءة. لكني أعود لبيتي محملاً بالكتب الجديدة، فأجد أن هناك الكثير مما لم أقرأه بعد، فأؤجل قراءة الجديد حتى إنهاء القديم. ومن ثم أفقد المتعة التي أشرت إليها من قبل حينما كنت أشتري الكتاب وأنهيه ثم أشتري آخر وأنهيه، وهكذا. ويثقل هذا التراكم على النفس فتتعطل الرغبة في القراءة أو تقل متعة الصحبة لكل كتاب.

لن تخلو حياتنا من الأخطاء والمشكلات. لهذا خلقنا. لنقع في الخطأ ثم نحاول التصحيح. فالحياة هي محاولة دائمة لتصحيح المسار والاستزادة من الخير والعلم لأنفسنا وللعالم. وفيما يلي بعض الملاحظات والأفكار الشخصية عن الاستزادة من العلم بتصحيح علاقتنا بالكتاب وإفساح المجال لطاقة التعلم للانسياب بحرية.

1. من أسباب استمراري في شراء الكتب رغم عدم قراءتي لها هو إيماني بقيمة الكتاب في حد ذاته. فنفسي تحدثني أنه لا خسارة أبداً في الإنفاق على الكتب حتى لو لم أقرأها. وهذا منطق حسن. غير أنني كونت مكتبة كبيرة في مصر قبل هجرتي وفيها الكثير جداً الذي لم أقرأه، إذ كنت أنفق أكثر مالي على الكتب! ثم هاجرت ولم أستطع بالطبع حمل كل هذه الأثقال (لو سافرت فسوف تتعلم أن حقيبة مليئة بالكتب هي أثقل ما يمكن حمله!). ثم أتيت إلى الولايات المتحدة وبعد عدة سنوات تكرر نفس المشهد. لكن حياتي كمهاجر جعلت من هذه الكتب مشكلة عند كل انتقال من مدينة إلى أخرى. فهي بالفعل أثقل ما أحمله وأكثره. ومن ثم أصبحت هذه الكتب عبئاً رغم أنني لم أقرأ إلا بعضها، وأضحى علي بذل مجهود كبير في حمل كتب لم أقرأها. وأستخلص من ذلك أنه طالما لم يستقر الإنسان في بيت وموقع يعلم أنه يريد أن يبقى فيه بقية عمره، فالأفضل أن يتخفف بقدر الإمكان من الأحمال والأثقال!

2. أرى أنه لا بأس من إنشاء مكتبة خاصة. فوجود المكتبة في البيت ضرورة، لا سيما حينما ينشأ فيه جيل جديد من الأطفال فيعتادون رؤية الكتب كجزء من الحياة. لكن علينا أن نحتفظ فقط بالكتب التي تستحق الاحتفاظ بها. أما الكتب التي نريد قراءتها مستقبلاً فلنحتفظ بها في المكتبات الخارجية، فسوف نجدها دائماً حينما نقرر قراءتها! علينا إذن أن نحدد عدداً أقصى للكتب الجديدة التي لم نقرأها بعد، فلا نشتري كتباً جديدة فوق هذا العدد. فلنقل مثلاً ثلاثة كتب جديدة لا أكثر. فإذا انتهينا من واحد وبقي لدينا كتابان نقرأهما، سمحنا بإضافة ضيف ثالث جديد!

3. علينا أن نغالب أنانية النفس ورغبتها في الاحتفاظ بكل شيء! فلنحتفظ بالكتب التي نريد الرجوع إليها. أما ما قرأناه وقررنا أننا لن نرجع إليه، فلنعطه لقاريء آخر يستفيد به، وإن لم نجد فلنتبرع به لمكتبة عامة أو مكتبة مدرسية. وقد نعطي الكتاب لصديق لا يقرأ ونطلب منه أن يجرب قراءة هذا الكتاب الواحد، فربما نساعد إنساناً بذلك أن يدخل عالم القراءة بعد أن كان غريباً عنها! ومن الممكن تسجيل ما نريد تذكره من معلومات وردت في هذه الكتب في ملف رقمي أو ورقي لدينا حتى نرجع إليه إن شئنا.

في الموضوع القادم بإذن الله أتحدث بتفصيل أكثر عن خطواتي الشخصية للعلاج الذاتي من إدمان الكتب في جانبه السيء بهدف إفساح المجال لهذا الإدمان في شكله الحميد والمطلوب!

Share/Bookmark

هناك تعليق واحد:

  1. حتى أنا وجدت نفسي أقتني كتب لا أقرأها، تصدق أني إبتعت كتاب تعلم اللغة الألمانية مع أنه لا توجد لي أي نية في تعلمها في الوقت الراهن !
    مأساة حقيقية، و الحمد لله المدينة التي أقطن فيها شحيحة بعض الشيئ في ما يخص الكتب، وإلا، لكنت صرفت كل أموالي على الكتب (التي لن تقرأ)

    ردحذف

Subscribe via email

Enter your email address:

Delivered by FeedBurner