الاثنين، 7 شعبان، 1431 هـ

إرساء النظام في حياتنا والورقة المعجزة!

sunset park


تحدثت في الموضوع السابق عن تأثير التواجد أو العمل في بيئة غير منظمة. قد تشعر بالنشاط والرغبة في الإنجاز ثم ما تلبث هذه الرغبة أن تنطفيء بمجرد عودتك إلى بيتك أو مكتبك. كيف نسيطر على العالم الصغير الذي نحيا فيه (بيتنا، غرفتنا، مكتبنا، حاسبنا الآلي) ونجعله باعثاً على النشاط والمزاج الإيجابي؟ الكلمة السحرية التي نعرفها جميعاً هي: النظام. لكن، كالعادة، الواقع أصعب من الكلمة!

أنا شخصياً عانيت زمناً طويلاً في صراع لا ينتهي إلا ليبدأ... مع غرفتي! ليست غرفة واحدة، لكن كل غرفة أنتقل إليها تصبح مشكلة، بعد انتقالي للحياة بعيداً عن والدتي رحمها الله. والعجيب أن الغرفة الفوضوية انتقلت معي في مصر من شقة إلى شقة، وفي أمريكا من ولاية إلى ولاية! والمعنى أن الفوضى بداخلنا نحن، علينا السيطرة عليها في أنفسنا أولاً، وسوف يستجيب عالمنا الخارجي بعد ذلك!

أما إذا كنت رجلاً تعيش مع والدتك أو زوجتك فقط أهمس في أذنك أنك لو عدت كل يوم إلى منزلك فوجدت هدوءاً وراحة، ونظافة ونظاماً، فلا تبخل على الأم أو الزوجة بالشكر والإطراء. صدقني مثل هذه الأشياء لا تتحقق وحدها ببساطة، بل هي ثمرة عمل يومي! غير أن البيت قد يكون منظماً، لكنك تعيش تحت رزح فوضى رقمية على حاسبك الآلي مثلاً! مئات الملفات المخزنة لكي تطالعها "في وقت لاحق"، وهو وقت لاحق لا يريد أن يأتي أبداً! وذلك لأن الملفات تتزايد بأسرع من قدرتك على الرجوع إليها ومطالعتها.

تصور أن كل شيء في حياتك له مكان ووظيفة واضحة. أنه ليست هنالك أشياء مبعثرة لا تعرف ماهيتها إذ تتراكم مع مرور الزمن. أن كل ملف على حاسبك الآلي متواجد لسبب أنت تعلمه بوضوح. هذه بعض معالم النظام. ولهذا النظام تأثير إيجابي على حالتك المزاجية والإنتاجية، فالكثرة "تلهي" كما قال الرسول الكريم: "ما قل وكفى خير مما كثر وألهى". والإلهاء هو عدم التركيز، ومن ثم قلة الإنتاج، أياً كان نوع هذا الإنتاج المطلوب.

لست خبيراً وصلت للحلول النهائية فيما يخص التعامل مع هذه الفوضى في بيئاتنا الخاصة، غير أن لي محاولات سوف أعرضها عليك هنا.

أنت تريد أولاً خطوات سريعة فورية ذات طبيعة "إغاثية"! لو كانت الفوضى سائدة مزمنة، يتمثل هذه الجهد الإغاثي في "إخفاء الفوضى" وليس علاجها. هو تماماً مثل مسكن الألم الذي لا يعالج السبب لكنه يقدم راحة مؤقتة حتى تستطيع أن تمارس حياتك بشكل طبيعي. لكن لا تنس أبداً أن المسكن والخطوات الإغاثية هي مجرد مرحلة أولى تتيح لك بيئة مناسبة للعمل ليس إلا، وعليك بعدها التعامل من جذور المرض/الفوضى!

أما إخفاء الفوضى فهو ببساطة أن تأخذ كل شيء في منزلك، في غرفتك، على مكتبك وتخفيه في صندوق أو درج. قم فقط بتجميع كل شيء وألقه فوق بعضه في مكان واحد لكي تستريح من مشهده المؤرق للأعصاب حتى تستطيع العمل بهدوء. احتفظ في الخارج بالأشياء ذات الاستخدام اليومي "فقط". الآن لديك مكتباً أو غرفة وقد انزاحت عنهما الفوضى وحل محلها النظام في غضون دقائق قليلة!

تستطيع تطبيق القاعدة ذاتها مع ملفات الكمبيوتر أو رسائل البريد الإلكتروني. فقط ضع جميع الملفات في folder واحد واستمتع بسطح مكتب desktop هاديء وخال! وانقل جميع رسائل البريد الإلكتروني القديمة في folder خاص وابدأ من جديد مع صندوق بريدي نظيف!

لابد أنك خمنت بالطبع أنه يتوجب عليك بعد ذلك العودة للأدراج والصناديق والملفات التي تم إخفاؤها! هذه هي المرحلة الأهم، والتي سوف تتعامل معها كمشروع مستمر وطويل الأمد وليس كجهد إغاثي سريع. لو لم تفعل فسوف تجد أن كل شيء يعود إلى سابق عهده من الفوضى المزعجة بعد بعضة أسابيع. فإن أنت أعدت القيام بذات الخطوات الإغاثية فلربما ظلت أشياء أو مشاريع أو أوراق مهمة في غياهب النسيان أو غياهب الصندوق إلى الأبد!

المرحلة التالية إذن هي العودة إلى الأشياء القديمة المخفية والنظر فيها والتعامل معها أو التخلص منها نهائياً. هذه هي المرحلة الأصعب والتحدي الأكبر. وقد كانت هذه المرحلة دائماً هي التي تقف أمام إرساء النظام والسلام في حياتي بشكل دائم ومستتب! وقد انتهيت إلى حل واحد بسيط هو الذي حل لي هذه "المعضلة"!

هذه صورة واقعية للحل البسيط:


نعم، الحل يكمن في ورقة! لكنها ورقة ليست ككل الأوراق، دعني أخبرك عن ماهية هذه الورقة المعجزة!

وظيفة الورقة هي المتابعة المكتوبة. في الورقة أعلاه على سبيل المثال، تجدني قسمتها نصفين، الأول أكتب فيه ما أخرجه من حياتي مما لا أحتاجه أو أستخدمه (أتبرع به، أعطيه هدية، إلخ) يوماً بيوم. والثاني أكتب فيه ما أفعله من نشاطات تنظيمية، يوماً بيوم أيضاً. وهكذا فأمامي ورقة مرئية توضح سير الأمور بشكل لا لبس فيه. فأنا أنظر فيها فأعرف إن كنت تركت أياماً طويلة تمر دون أي فعل تنظيمي أم أنني أخطو كل يوم ولو خطوة واحدة صغيرة للأمام. احذر من الاستغناء عن الورقة بملف رقمي/وهمي على الكمبيوتر!

المشكلة الكبرى لدينا في التنظيم هي في الغالب أننا حينما نخطو للأمام خطوة واحدة، تعقبها خطوات للخلف. يحدث ذلك حينما تنتابنا دفقة نشاط فننظم وننظم، ثم يمر بعدها شهر وراء شهر في خمول تام! الخلاصة أن نوبات التنظيم المتقطعة لن تجدي نفعاً في تغيير نوعية حياتنا، والحل الوحيد هو، بالتعبير النبوي: "أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل". يعني خطوة واحدة صغيرة كل يوم، أو حتى يوم ويوم، سوف يكون لها أفضل الأثر وسوف تحدث تغييراً حقيقياً مع مرور الوقت. وقد وجدت أن العمل على هدي ورقة بسيطة تسجل خطواتنا الصغيرة يوماً وراء يوم logging له أثر عجيب في الحفاظ على تتابع الخطوات الصغيرة. ولنا في حكاية الأرنب السريع المشتت والسلحفاة البطيئة التي لا تتوقف عبرة! ولعلك تعرف الحكاية ولا تحتاج مني إلى إعادة ذكرها هاهنا!

جرب ولا تستهين بالورقة! أحضرها فارغة، واكتب أعلاها: "نظام على مر الأيام"، أو أي عنوان يروق لك. قسم الورقة إلى أيام الشهر الجاري. يوم في كل سطر (1 يوليو، 2 يوليو...إلخ). كل يوم قم بخطوة، أي خطوة صغيرة ويسيرة. المهم أن تكتب أمام تاريخ اليوم أنك فعلت شيئاً ولو خمس دقائق. لا تخفي الورقة واجعلها أظهر ما لديك، وانظر فيها كل يوم. لو مر يوم ولم تفعل شيئاً، ارسم خطاً أو علامة خطأ X.

مرة أخرى: لا تستهين بالورقة. جرب وأخبرني. والفكرة صالحة لكل مشروع أو هدف بحاجة لعمل مستمر وطويل الأمد.

Share/Bookmark

هناك تعليقان (2):

  1. سبحان الله اذا انت مطبقة فأنت مبدع

    ردحذف
  2. شكرا.. أرجو أن تستمر في الكتابة في هذه المدونة المفيدة جدا. أكثر من ما تتصور..

    ردحذف

Subscribe via email

Enter your email address:

Delivered by FeedBurner